top of page
Revenez bientôt
Dès que de nouveaux posts seront publiés, vous les verrez ici.
الدساتير والديمقراطيّة

ممدوح مبروك*

هناك علاقة وثيقة بين الدستور والديمقراطيّة؛ فقد تَزامَن الاتّجاه نحو قيام النظام الديمقراطيّ مع بناء دولة القانون وتحديد عناصرها، الأمر الذي أدّى إلى اقتران المفهومَين ببعضهما البعض، حيث أصبح غياب أحدهما يعني غياب الآخر، وحضور أحدهما يعني حضور الآخر؛ فالدستور الذي يُنظِّم شؤون الحكم، ويضمن الحقوق والحريَّات العامّة، ويدعم حرّية التعبير، ويضع آليّات المُحاسَبة والرقابة على مؤسّسات الدولة، هو نفسه الذي يرسِّخ قواعد الحكم الديمقراطيّ السليم من خلال تمكين المواطنين من المشاركة السياسيّة الفعَّالة التي هي أحد أهمّ المتطلّبات الأساسيّة للمجتمعات الديمقراطيّة المُعاصرة.

إنّ أهمّ ما يميِّز الدستور الديمقراطي ويجعله جديراً بهذه الصفة هو استناده إلى مجموعة من المقوّمات أو السمات التي تضفي عليه صفة الديمقراطية، وتُميّزه عن الدساتير الموضوعة إمّا بإرادة منفردة – كما هو الحال في الدساتير الممنوحة – أو عبر استفتاءات تفتقر إلى شروط الاستقلالية، والحياد، والنزاهة. ولعلّ من أهمّ سِمات الدستور الديمقراطي ما يلي:

1. أن تتولّى صياغته جمعيّة أو هيئة تأسيسيّة أصلية مستقلّة تُنتخَب من أبناء الشعب كافّة، وتُمثَّل فيها الشرائح والقوى الوطنية والسياسية كافّة.

2. ترسيخ مبدأ "السيادة الشعبيّة"، بحيث يُمَكِّن الدستور المواطنين من أن يصبحوا قادرين على تقرير مصيرهم بأنفسهم من دون شعور بالضغط أو الخوف، وبهذا المعنى يكون الشعب مصدر السلطات، لا سلطة عليه من قبل فرد أو قلّة.

3. ضمان الحقوق والحريَّات العامّة من دون الإحالة إلى القانون، أي لا يُترك للسلطة التشريعية أمر تنظيم الحقوق من دون ضوابط تمنعها من المساس بأصل الحقّ.

4. ضمان مُساءَلة القائمين على الشأن العامّ، سواء كان رئيس الدولة أم رئيس الوزراء أم رئيس البرلمان أم أعضاؤه أو الحكومة.

5. تحقيق التوازن بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل الحقّ في العمل، والتعليم، والصحّة، وغيره، والحقوق المدنية والسياسية مثل: الحقّ في التعبير، والتجمّع، والمُشارَكة، وغيره. وكلتا المجموعتَين تكملان بعضهما البعض. فلا يُمكِن للمواطن أن يهتمّ بالدفاع عن حقوقه المدنية والسياسية إلّا إذا توفّر له الحدّ الأدنى من متطلّبات الحياة الكريمة مثل التعليم، والصحّة، والسكن، وغيرها.

6. فعاليّة الدستور، والتي تحمل دلالات ديمقراطية تعكس طبيعة النظام السياسي ذاته حيث تحتِّم عليه الانضباط، والالتزام بالقواعد القانونية التي أقرّها الدستور. وعلى العكس، فإنّ عدم فعاليّة هذا الأخير هو دليل واضح على اتّجاه النظام السياسي نحو الديكتاتورية وحُكم الفرد.

7. الفصل والتوازن بين السلطات، حيث يؤدّي نجاح الدستور في تحقيقِ توزيعٍ متوازن للصلاحيّات بين مراكز السلطة داخل الدولة إلى إقامة نظام ديمقراطي؛ لذا ينبغي على الدستور أن يفصل بين السلطات منعاً من تركُّز السلطات في يد واحدة، وذلك من خلال تخصيص أعضاء مستقلّة لكلّ وظيفة من وظائف الدولة التقليدية (التشريعية – التنفيذية – القضائية)، وإذا ما تحقَّق ذلك أصبح لكلّ عضو اختصاصٌ محدَّد لا يُمكنه الخروج عليه من دون الاعتداء على اختصاص الأعضاء الآخرين.

8. الأخذ بمبدأ تدرُّج القواعد القانونيّة؛ بمعنى أن تأخذ القاعدة الدستورية مكانها في قمّة النظام القانوني للدولة، تليها القاعدة التشريعية العادية الصادرة من البرلمان، ثمّ اللّوائح الصادرة عن السلطات الإدارية. وبناءً على هذه القاعدة، تعلو القاعدة الأسمى على القاعدة الأدنى منها، سواءً أكان هذا السموّ شكليّاً أم موضوعيّاً. فلكي يكون الدستور فاعلاً، لا بدّ أن يكون سامياً.

9. تنظيم حماية مُناسِبة للقواعد المقيِّدة لسلطة الحكّام، وتعني توافُر الرقابة القضائية التي تقدِّم الضمانة الفعَّالة ضدّ خروج السلطة العامّة عن حدود القانون؛ حيث إنّ الرقابة البرلمانيّة غير كافية، فهي رقابة ذات طابعٍ سياسيّ يُمكن التحكّم فيها من خلال التأثير على البرلمان لمُخالفة الدستور. في حين أنّ ضمان فعاليّة هذه الرقابة يقضي باستقلال القضاء.

 

عوامل صياغة الدستور الديمقراطيّ

لا تُقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحرّيات فقط، وإنّما تُقاس أيضاً بمدى فعاليّة تطبيق موادها، ومُمارستها، واحترامها، وذلك وفقاً لما يُعرف بالشرعية الدستورية. والجدير بالذكر أنّ هذا الأمر يستلزم توفُّر مجموعة من العوامل مثل:

1. فعاليّة المؤسّسات الرسميّة:

تتّضح أهمّية المؤسّسات الرسمية من خلال دَورها أو إسهامها في تحقيق الديمقراطية في كلّ نظام على حدة. فهي تسمح للقيَم والمثُل السياسية بأن توضَع موضع المُمارَسة، كما تساعد على نموّ المجتمع وقوّته، وزيادة قدرته على ضبط سلطة حكومته، ومراعاة قراراتها لاعتبارات المصلحة العامّة، وتهيئة الأفراد والمجتمع لمُمارَسة المُشارَكة السياسية بفعاليّة ونشاط.

 

2. إقرار دَوريّة الانتخابات الحرّة والنزيهة:

إنّ نزاهة الانتخابات وقيامها بشكلٍ دَوريّ هما من أهمّ مظاهر الديمقراطية؛ لذا لا بدّ للدستور أن يعتمد ضمانات النزاهة الانتخابية من خلال ما نصَّ عليه من مواد أو من خلال القوانين المُكمِّلة له مثل: تعزيز مبدأ التصويت السرّي، وحياد السلطة التنفيذية، ورقابة القضاء، وحياد أجهزة الإعلام.

إنّ نصوص الدستور والقوانين المُكمِّلة له لا تكفي وحدها لضمان تحقيق ذلك ما دامت النوايا مُبيَّتة على عكس ذلك، فالإرادة السياسيّة هنا هي الضامن الوحيد لترسيخ قواعد النظام الديمقراطي، أمّا في حال غياب تلك الإرادة، فقد تتّجه السلطة السياسية إلى فرض إرادتها وتحقيق مصالحها الخاصّة، وقد يتمثّل ذلك في تغيير صناديق الاقتراع، والتصويت بغير حقّ، والعبث بأصوات المُعارضين أو إرهاب الناخبين، وقد يصل الأمر إلى المُخالَفة في حساب النتائج وتمزيق الدوائر الانتخابية أو التصويت العلنيّ؛ ذلك كلّه يولِّد بيئة غير مُلائِمة تحول دون الوصول إلى دولة دستورية ديمقراطية حقيقية، وذلك على الرّغم من وجود الدستور الذي لم يُعبِّر عن طبيعة الدولة في واقعها الملموس وخلال المُمارَسة الفعلية للعملية السياسية فيها.

 

3. الاحترام الفعليّ للمُعارَضة:

إنّ احترام النظام الحاكِم للمعارضة ليس نصّاً دستوريّاً أو قانونيّاً، لكنّه واقعٌ عمليّ وفعليّ له مظاهر كثيرة تؤكّدها النُّظم الديمقراطية، لعلّ من أبرزها قبول النظام الحاكِم بنتيجة الانتخابات الحرّة والنزيهة، والتي تقضي بإقصائه عن الحُكم وتسليم السلطة للحزب الآخر الفائز في الانتخابات في ظلّ آليّة مُحايدة ومُنصفة لإدارة الانتخابات، وكذلك حقّ المُعارَضة في التعبير عن آرائها بالأساليب السلميّة من دون التعرُّض لها أو قمعها، وخلْق نوعٍ من الحوار بين الأغلبيّة والمعارضة في القضايا السياسية الشائكة، ولاسيّما في أوقات الأزمات.

 

4. التعبير عن الإرادة والروح العامّة للشعب:

لكي يكون الدستور صادقاً، لا بدّ من أن يعبِّر عن إرادة الشعب، أي عن إحساسه بالقيمة الأخلاقية والدينية والفنّية والثقافية والاقتصادية، كذلك يجب أن يُعبِّر عن المزاج النفسيّ للناس، وعن تقاليدهم وطموحاتهم المستقبليّة، أي أن تكون القوانين الصادرة نابعة عن إرادته وتعبِّر عن مصالحه وتكون تجسيداً لها؛ وهكذا يحدث التقدّم الاجتماعي عندما يعبِّر الدستور عن الشعب بأكمله وليس عن فئة دون أخرى، ولهذا نجد أنّ واضعي الدساتير الديمقراطية في العالَم يؤكّدون على أنّ إحدى المميّزات الرئيسة للدستور هي خدمة الأجيال القادِمة.

 

في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أنّ هناك مجموعة من الضمانات والاشتراطات اللّازمة لصياغة دستور ديمقراطي مثل:

1. ضمان تمثيل مكوّنات المجتمع المختلفة وعدالة نسب التمثيل.

2. ضمان شرعية تمثيل مكوّنات المجتمع وديمقراطيّة هذا التمثيل.

3. ضمان فعاليّة عمل الجمعية التأسيسية وقدرتها على الإنجاز.

4. ضمان شفافية الجمعية التأسيسية والاتّفاق على الأُطر الزمنية لإنجاز مهامها.

5. ضمان الدرجة اللّازمة من التوافق في مخرجات عمل الجمعية التأسيسية.

6. ضمان حدّ أدنى من المُشاركة في عمليّة التصويت الشعبيّ على الدستور الجديد.

7. ضمان حدّ أدنى من الموافقة الشعبية اللّازمة لإقرار الدستور.

 

في ضوء ذلك، يُمكن القول إنّ الدستور الديمقراطي هو ذاك الذي يعكس في مواده طموحات الشعب ومطالبه، ويكون قادراً على بناء الثقة بين المواطِن ومؤسّسات الدولة من خلال ضمان المُشارَكة الحقيقيّة للشعب في إدارة شؤون البلاد، وكذلك القدرة على توفير أدوات تُمَكِّن الشعب، عبر المؤسّسات المختلفة للدولة، من مُساءلة القائمين على الشأن العامّ.

bottom of page